ابن عربي

442

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اللَّهِ » يتعلق بيكون طيرا ، وأما عند مثبتي الأسباب فيتعلق بقوله « فَأَنْفُخُ » فإنه نسب الخلق إلى عيسى عليه السلام ، وهو إيجاد صورة الطائر في الطين ، ثم أمره أن ينفخ فيه ، فقامت تلك الصورة التي صورها عيسى عليه السلام طائرا حيّا ، وقوله « بِإِذْنِ اللَّهِ » يعني الأمر الذي أمره اللّه به في خلقه صورة الطائر ، والنفخ وإبراء الأكمه والأبرص وإحيائه الميت ، فأخبر أن عيسى عليه السلام لم ينبعث إلى ذلك من نفسه ، وإنما كان عن أمر اللّه ، ليكون ذلك وإحياء الموتى من آياته على ما يدعيه ، ويخرج عليه السلام ممن يدّعى فيه الخلق ، إذ يقول تعالى ( قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ) * فلو قالوا عيسى دعي إلها من دون اللّه وقد خلق من الأرض ، لذلك قدم الحق لأجل هذا القول أن خلق عيسى للطير كان بإذن اللّه ، فكان خلقه له عبادة يتقرب بها إلى اللّه ، والمأمور عبد ، والعبد لا يكون إلها ، فكل خلق أضيف إلى خلق فمجاز وصورة حجابية ، ليعلم العالم من الجاهل ، وفضل الخلق بعضهم على بعض . واعلم أنه لما وجد عيسى من غير شهوة طبيعية ، فإنه كان من باب التمثيل في صورة البشر ، فكان غالبا على الطبيعة بخلاف من نزل عن هذه الرتبة ، ولما كان الممثل به روحا في الأصل كانت في قوة عيسى إحياء الموتى ، ألا ترى السامري لمعرفته بأن جبريل معدن الحياة حيث سلك ، أخذ من أثره قبضته فرماها في العجل فخار وقام حيا . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 50 إلى 52 ] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) الحواريون هم العلماء أتباع عيسى عليه السلام ، والحواري هو من جمع في نصرة الدين بين السيف والحجة ، فأعطي العلم والعبارة والحجة وأعطي السيف والشجاعة والإقدام ، ومقاومة التحدي في إقامة الحجة على صحة الدين المشروع .